أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )
43
عجائب المقدور في نوائب تيمور
الأمور ، فلم تزل نيران الهيجاء تنتطح ، وزناد الحرب توري إذ تنقدح ، وشرار السهام تتطاير ، وثمار الرؤوس بمناجل السيوف تقطف فتتناثر ، حتى أقبل جيش الليل ، وشمر للهزيمة جند النهار الذيل ، فتراجع كل منهم إلى وكره ، وأعمل شاه منصور فكره في مكره . ذكر ما نقل عن شاه منصور ، مما أوقع بعسكر تيمور ، من الحرب والويل ، تحت جنح الليل فعمد إلى فرس جفول ، من بين الخيول ، أجمح من دهر رمح ، وأرمح من عصر جمح ، واتى بها عسكر العدو ، وقد أخذ الليل في الهدو ، ثم ربط في ذنبها قدرا من النحاس ، ملفوفة في قطعة بلاس « 1 » ، وشدها شدة أحكم وثاقها ، وصوب رأسها نحو العدو وساقها ، فجالت الفرس في العسكر واضطربت ، واختبطت الناس واحتربت ، وانسابت جداول السيوف في بطون تلك النحور وانسربت ، حتى كأن الساعة اقتربت ، أو السماء عليهم بالشهب انقلبت ، والأرض بهم اهتزت وربت ، وشاه منصور واقف حواليهم ، كالبازي المطل عليهم ، يقتل من شذّ ، ويبيد من فذّ ، وصاروا كما قيل شعرا : الليل داج والكباش تنتطح * نطاح جدّ ما أراها تصطلح فقائم وقاعد ومنبطح * فمن نجا برأسه فقد ربح قيل أنهم اقتتلوا فيما بينهم ، حتى فني نحو من عشرة آلاف نفس منهم ، فلما قوض الليل خيامه ، ورفع النهار أعلامه ، علموا البلاء كيف دهاهم ، وليت الليل لم يكن فارق ذراهم ، ثم أن شاه منصور أصبح وقد قل ناصره ، وفل مؤازره ، فانتخب من جماعته فئه ، نحوا من خمسمائة ، فجعل يصول بهم صولة الأسد ، ويخوض بهم غمار الموت فلا يلوى أمامهم أحد ، ويميل يسرة ويمنة وينتسب ، ويصيح أنا شاه منصور الصابر المحتسب ، فتراهم بين يديه حمرا مُسْتَنْفِرَةٌ ، فَرَّتْ مِنْ
--> ( 1 ) - البلاس : بساط من شعر ، وجاء في روآية أخرى : لباس .